الخطيب الشربيني

467

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

يقال : إنها منجمة أي : مفرقة ومنه نجوم المكاتب والمعنى : أنه لما سمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها حتى يستخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذرا أحسن من قوله : إِنِّي سَقِيمٌ والمراد : أنه لا بد من أن يصير سقيما كما تقول لمن رأيته يتجهز للسفر إنك مسافر . ولما قال : إِنِّي سَقِيمٌ تولوا عنه كما قال تعالى : فَتَوَلَّوْا عَنْهُ أي : إلى عيدهم مُدْبِرِينَ أي : هاربين مخافة العدوي وتركوه وعذروه في عدم الخروج إلى عيدهم . فَراغَ أي : مال في خفية وأصله من روغان الثعلب وهو تردده وعدم ثبوته بمكان ولا يقال : راغ حتى يكون صاحبه مخفيا لذهابه ومجيئه إِلى آلِهَتِهِمْ وعندها الطعام فَقالَ استهزاء بها أَ لا تَأْكُلُونَ أي : الطعام الذي كان بين أيديهم فلم ينطقوا فقال استهزاء بها أيضا : ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فلم تجب . فَراغَ عَلَيْهِمْ أي : مال عليهم مستخفيا وقوله تعالى ضَرْباً مصدر واقع موقع الحال أي : فراغ عليهم ضاربا أو مصدر لفعل ، وذلك الفعل حال تقديره فراغ يضرب ضربا وقوله تعالى : بِالْيَمِينِ متعلق بضربا إن لم نجعله مؤكدا وإلا فبعامله ، واليمين يجوز أن يراد بها إحدى اليدين وهو الظاهر ، وأن يراد بها القوة واقتصر عليه الجلال المحلي فالباء على هذا للحال أي : متلبسا بالقوة وأن يراد بها الحلف وفاء بقوله وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [ الأنبياء : 57 ] والباء على هذا للسبب وعدى راغ الثاني بعلى لما كان مع الضرب المستولي من فوقهم إلى أسفلهم بخلاف الأول فإنه مع توبيخ لهم ، وأتى بضمير العقلاء في قوله تعالى : عَلَيْهِمْ ضَرْباً على ظن عبدتها أنها كالعقلاء ثم إنه عليه السّلام كسرها فبلغ قومه من ورائه ذلك . فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ أي : إلى إبراهيم بعدما رجعوا فرأوا أصنامهم مكسرة يَزِفُّونَ أي : يسرعون المشي ، وقرأ حمزة بضم الياء على البناء للمفعول من أزفه أي : يحملون على الزفيف ، والباقون بفتحها من زف يزف فقالوا : نحن نعبدها وأنت تكسرها . قالَ لهم توبيخا أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ أي : من الحجارة وغيرها أصناما . وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ أي : نحتكم ومنحوتكم فاعبدوه وحده . تنبيه : دلت هذه الآية على مذهب الأشعرية وهو أن فعل العبد مخلوق لله عز وجل وهو الحق وذلك ؛ لأن النحويين اتفقوا على أن لفظ ما مع ما بعده في تقدير المصدر فقوله تعالى وَما تَعْمَلُونَ معناه وعملكم وعلى هذا فيصير معنى الآية : والله خلقكم وخلق عملكم . ولما أورد عليهم الحجة القوية ولم يقدروا على الجواب عدلوا إلى طريقة الإيذاء لئلا يظهر للعامة عجزهم بأن : قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً قال ابن عباس رضي الله عنهما : بنوا حائطا من الحجر طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملؤوه نارا فطرحوه فيها وذلك هو قوله تعالى فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ وهي النار العظيمة قال الزجاج : كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم . فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً أي : شرا بإلقائه في النار لتهلكه فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ أي : المقهورين الأذلين بإبطال كيدهم وجعلنا ذلك برهانا نيرا على علو شأنه حيث جعلنا النار عليه بردا وسلاما وخرج منها سالما . وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي أي : إلى حيث أمرني ربي ونظيره قوله تعالى وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ